كلمة سعادة الدكتور نصر الدين العبيد المدير العام لمنظمة أكساد بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للبيئة – 5 حزيران / يونيو 2026


أصحاب المعالي.. أصحاب السعادة..
السيدات والسادة..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
إنه لمن دواعي سروري أن تشارك منظمة المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة – أكساد كعادتها في احتفالية اليوم العالمي للبيئة الذي يصادف في الخامس من حزيران/يونيو من كل عام، والمنعقد هذا العام تحت شعار “الدعوة إلى العمل المناخي” مما يجدد فينا الوعي بأهمية حماية كوكبنا وموارد الطبيعية للأجيال الحالية والمستقبلية، لاسيما في ظل التغيرات المناخية التي تسود العالم عموما، ً ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص، وما ينتج عنها من تحديات مصيرية تواجهها البيئة بشكل عام وفي أولويتها الجفاف والتصحر وآثارهما السلبية من تدهور للنظم البيئية والموارد الطبيعية والتنوع الحيوي وغيرها.
فالتغير المناخي والتصحر باتت قضايا عالمية لها أثار خطيرة على حياة البشر واقتصادهم إذ يهدد التصحر سبل العيش لأكثر من مليار شخص يعيشون في 100 بلد في العالم، أما عربياً فإن الأراضي القاحلة تشغل 70% من مساحة الوطن العربي وأن 20% من أراضيها مهددة بالتصحر، ويخسر العالم سنوياً / 10/ مليون هكتار وعربيا 60000 – 80000 هكتار سنويا، وبسبب الأزمة البيئية التي يعيشها العالم والتي تهدد الأمن الغذائي العالمي من جراء تعاظم التصحر وزيادة السكان في العالم إلى أكثر من /7/ مليارات شخص، مما تسبب بفجوة غذائية قاربت 44 مليار دولار. ووفقاً لسيناريو تغير المناخ سيعيش ما يقارب نصف سكان العالم عام 2030 في مناطق تعاني من ندرة المياه بصورة كبيرة.
أما فيما تعانيه منطقتنا العربية من تحديات بيئية متزايدة، وفي مقدمتها التصحر، وشح المياه، وتدهور النظم البيئية، فإنه يستدعي منّا جميعاً وقفة جادة ومسؤولية، ومضاعفة الجهود على كافة المستويات ونثمن عالياً الدعم المستمر والرؤية الثاقبة لجامعة الدول العربية التي تجسدت في القرارات الحاسمة لمجالس القمم العربية المتعاقبة، التي أكدت على أن قضية البيئة والتنمية المستدامة هي ركيزة أساسية للأمن القومي العربي، وحثت على تضافر الجهود والتعاون المشترك لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية وحماية ثرواتنا الوطنية.
وفي هذا الإطار جاءت عدة مبادرات عربية استراتيجية رائدة لعل أهمها مبادرة سمو الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية المتمثلة بـ “السعودية الخضراء” و “الشرق الأوسط الأخضر” الهادفة الى زراعة 55 مليار غرسة ، وكذلك مبادرة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي للنهوض بالزراعة المصرية وتحقيق الامن الغذائي من خلال زراعة 100 مليون شجرة بهدف مضاعفة نصيب الفرد المصري من المساحات الخضراء، وتحسين نوعية الغذاء، وخفض غازات الاحتباس الحراري والاستفادة القصوى من مياه الصرف، وكذلك مبادرة وزارعة الزراعة السورية الهادفة الى التوسع بالمساحات المشجرة سنوياً، بهدف زيادة مساحة الغابات مما ينعكس ايجاباً على تحسن المناخ وسلامة البيئة.
وفي هذا السياق، فقد واظبت منظمة المركز العربي – أكساد ومنذ إنشائها عام 1968 على متابعة ظاهرة التغيرات المناخية، وحشدت طاقاتها العلمية والتقنية للتكيف مع آثارها السلبية من خلال جهودها في تنمية الموارد الطبيعية، وتحسسين سبل العيش في المناطق الجافة وشبه الجافة العربية، فكان لقضايا التصحر وتدهور الأراضي والجفاف والعواصف الغبارية والرملية دور بارز في أنشطة أكساد، لتتوج هذه الجهود بإطلاق الجمعية العمومية لأكساد في دورتها السادسة والثلاثين عام 2022 ” اعلان القاهرة” الذي يدعو إلى “التكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من اثارها السلبية على النظم البيئية والموارد الطبيعية والمجتمعات البشرية في المنطقة العربية” ويمثل هذا الإعلان خريطة طريق للعمل العربي المشترك مستنداً في جوهر مضمونه على أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 لاسيما الهدف /13/ “العمل المناخي” الذي يدعو الى اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره، والهدف/15/ “الحياة في البر” الذي يركز على مكافحة التصحر وترميم الأراضي المتدهورة واستعادة النظم البيئية، وكذلك الهدف /6/ “المياه النظيفة والصرف الصحي” الذي يضمن توافر المياه وادارتها المستقبلية وهو ما يتحقق من خلال مشاريع حصاد مياه الامطار التي ننفذها، والهدف /2/ “القضاء على الجوع” الذي يسعى الى تحقيق الامن الغذائي وتعزيز الزراعة المستدامة وهو ما نعمل على تحقيقه من خلال تطوير أصناف زراعية متحملة للجفاف وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، والأهم هو الهدف /17/ الذي يدعو إلى بناء الشراكات وإقامة تعاون فعال بين مختلف الأطراف بما يخدم تحقيق هذه الأهداف.
كما اضطلعت “أكساد” بدور محوري في ترجمة قرارات القمم العربية وتوجهات جامعة الدول العربية إلى مشاريع تنموية ملموسة على أرض الواقع، من خلال تنفيذ برامج طموحة تسهم بشكل رئيسي في الحفاظ على التوازن البيئي، وفي تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقد تجلت هذه البرامج في تنفيذ مشاريع واسعة النطاق لإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة ومكافحة الزحف الصحراوي، مثل مشاريع: ” جبل البشري” و “هريبشة وكباجب” في سورية، و” أم جمط” في السودان، و”صبحة وصبحية” و”الصرة” في الأردن، و”واحة سيوة ومطروح وسيناء” في مصر، وفي “السهوب الجزائرية”، و”منطقة العمارية” في السعودية، وقد اعتمدت استراتيجيتنا على النهج المتكامل في إدارة موارد الأراضي وتثبيت الكثبان الرملية، ونشر تقنيات الزراعة الحافظة، وفيما يتعلق بمواجهة التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية، فقد عملنا على بناء القدرات للكوادر العربية ونفذنا مشاريع لحصاد مياه الامطار وإدارة مياه الفيضان، مما يسهم في الاستفادة القصوى من مياه الأمطار وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية، كما استخدمنا النمذجة الهيدرولوجية ونظام Aqua Crop لرفع كفاءة الري وإدارة المياه الجوفية.
وأولت قضية تغير المناخ أولوية قصوى خلال السنوات الأخيرة، ونفذت العديد من المشاريع والدراسات في هذا المجال، ومن بين هذه الجهود تطوير نظام انذار مبكر للتعامل مع الجفاف و الآثار السلبية للتغيرات المناخية إلى جانب تنفيذ مشاريع استخدام الأراضي لزيادة مخزون التربة من الكربون، كما عملت أكساد على استنباط 89 صنف من القمح والشعير عالية الإنتاجية ومتأقلمة مع البيئات الجافة، وطورت سلالات محسنة من الأغنام والماعز تميزت بزيادة انتاجيتها من اللحم والحليب وارتفاع نسبة التوائم فيها إلى حدود لامست الأرقام العالمية، إضافة الى تنفيذنا للعديد من مشاريع تنمية الثروة الحيوانية وتحسين إدارة المراعي الطبيعية، مما أسهم بتحقيق خطوات ملموسة في موضوع الأمن الغذائي والمائي العربي.
ختاماً، إننا في أكساد، إذ نجدد التزامنا بـ ” إعلان القاهرة 2022″ وبقرارات القمم العربية، ونؤكد على استمرارنا في دعم الجهود العربية بكل خبراتنا للوصول الى بيئة صحية، سليمة، متوازنة، من خلال مشاريعنا في مكافحة التصحر، وحصاد مياه الامطار، وتأهيل المراعي، والتكييف مع تغير المناخ، ونسعى جاهدين لبناء مستقبل أكثر أماناً واستدامة لمنطقتنا العربية.
وفقنا الله جميعا لخدمة بلداننا العربية، وحفظ الله بيئتنا وأرضنا.




